جان لوئيس بوركهارت
162
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فتغير قليلا من رتابته المملة الموحشة . وحالفنا الحظ فهبت علينا ربح الشمال ، ولكنا برغم ذلك كنا نعانى شدة القيظ . ولم نشرب اليوم إلا مرتين ، ولم نسق الحمير إلا نصف نصيبها المقرر من الماء . ونزلنا واديا بعد إحدى عشرة ساعة . وقد نشب اليوم شجار بيني وبين رجل من دراو اتهمنى بأنى فتحت قربته ليلا لأسقى منها حماري ، ثم سبّنى بأقذع الألفاظ وحصبنى بالحجارة ، وبدا لي أنه أفلح في إقناع رجال القافلة كلهم بأنني قارفت هذا الجرم حقا . 21 مارس - قمنا بعد منتصف الليل وسرنا فوق أرض رملية حتى جئنا وادى عامور بعد ثلاث ساعات . وكانت الليلة قارسة البرد ، وزاد من تأثرنا ببردها ما عانينا من هجير الأمس . ووادى عامور حافل بأشجار السلّم والسنط ، وكثير منها جاف يابس ، وقد أخذ القوم بعضها فأوقدوه التماسا للدفء . وانتشرت اللّهب على الوادي وسطعت على وجوه المسافرين والدواب الوجلة فكان المنظر رائعا أخاذا . وبعد أن خرجنا من الوادي جزنا سهلا محصبا وأرضا مستوية ، وبعد مسيرة سبع ساعات مررنا بواد زاخر بأشجار السنط ، وكان القيظ شديدا والريح جنوبية ، وسقط ستة من الحمير إعياء فاضطر راكبوها للسير فوق السهل المحرق . وأمسكت عن شرب الماء طوال اليوم ، ولكني كنت أعطى حماري الجرعة بعد الجرعة إبقاء على قوته ، وبعد مسيرة تسع ساعات صوب الجنوب الغربى بانحراف للجنوب وصلنا وادى أبو سلم الحافل بأشجار السلم ، فنزلنا عن دوابنا لأن الإعياء كان قد أخذ منها كل مأخذ ، وكان بعض الركب متخلفين ، ولو مضينا قدما لضلوا سبيلهم . وكنت مذ غادرنا شقرة لم أذق طعاما مطبوخا ، وإنما كان جل اعتمادي على الكعك إبقاء على ما عندي من ماء . ولكني جهزت الآن طبخة تناولتها ثم أظفأت ظمأى بجرعة كبيرة من الماء ، وبقيت لي بعد ذلك بقية منه تكفيني جرعة أخرى في الغد . وخيمت الكآبة علينا جميعا لأنا أيقنا أن الحمير ستنفق كلها غدا إن لم تنل حظها من الماء ، ولم يزد ما عند التجار على جرعات يحتفظ الواحد منهم بها لنفسه وأخذ التجار يتشاورون في الأمر طويلا ثم استقروا أخيرا على الرأي الوحيد الذي يرجى